المنتدى الرسمي للأشراف السليمانيين


إعلان هام من مشائخ وأعيان ونسابي وباحثي الأشراف السليمانيين


العودة   المنتدى الرسمي للأشراف السليمانيين > الأقسام الأدبية > منتدى القصص والروايات الأدبية


قبلة من فم العنكبوت (رواية)

منتدى القصص والروايات الأدبية

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-09-2013, 02:34 PM   #1
عضو جديد
 

افتراضي قبلة من فم العنكبوت (رواية)

بسم الله الرحمن الرحيم


الفصل الأول

1 ـ "أسرة أم ناصر"

البلبل الصغير... ذو القبّعة الصفراء... والمعطف الأخضر... هناك في قفصه.
إنه يغرد بصوت بهيج... ويترنم بألحانَ عذبة... تتسلل بانسجامٍ تام... عبر جوانب قفصه الفضي اللامع.
وقفصه الصغير... ذو الغطاء البرتقالي الباهت... لا يشغل سوى رفٍ صغيرٍ... من أرفف الدولاب الحديدي القديم... الموضوع دون عناية... في غرفة الجلوس الكبيرة بعض الشيء.
امرأة عجوز... جاوزت الخمسين بقليل... تجلس بركود وعفوية... على قطعةِ "الموكيت" البالية... ذات اللون الأحمر... ويبدو أنها تقوم بعمل ما... فهي تحمل في يُمناها قطعةً صغيرةً من الإسفنج المبتل... وتحمل في يسراها صينيةً مُلئَت بالماء والصّابون... وعند التدقيق في ملامحها... يبدو عليها الإجهاد والإعياء... عَرَقُها يَتَصَّبب بغزارة... وصوت زفراتها مرتفع... وهي ترتاح قليلاً... ثم تُعاود الدَّلْكَ.
شيءٌ غريبٌ يبدو على حركات يدها المرتعشة... فهي تارة تمسح العرق المتفصد على جبينها... وتارة أخرى... تمسح دموعاً تذرف من عينيها... ويبدو أنها مع إجْهادِها ذاك... حزينة أشد الحزن... ويبدو أيضاً... أنها تهرب من حزنها الدَّفين... إلى العمل... حتى ولو بأشياء غير مفيدة... وهي فيما يبدو... تحمل أسرار المعاناة... المعاناة الرهيبة.
في تلك الأثناء يُطرق الباب...
ترتبك العجوز... وتنظر هنا وهناك... بكل اهتمام... ثم تضع القطعة الإسفنجية في الصينية البيضاء... ثم تسند يديها على الأرض... وتقوم على عجل... لتفتح الباب.
لحظات سريعة... وتدخل فتاةٌ نَضِرة المحيَّا... بشوشة الوجه... وسيمة الملامح... لا يظهر عليها أبداً أي علامات الكدر... تفرد ابتسامتها علي وجهها بصفاء... ثم تُقبّل رأس أمها... وتقول:
- " السلام عليكم... ورحمته"
ثم تتقدم قليلاً... وتمد يدها بخفة جهة القفص... وتقول:
- " السلام عليكم يا عصفوري"
تردُّ الأم في هدوء وهي تدفع الباب لتُقفله:
- " وعليكم السلام يا ابنتي فاطمة... أهلاً بك"
ترتدُّ الفتاة لتنظر لأمها بدهشة... ثم تقول:
- " أوه... ألا زلت تقولين فاطمة؟"
- " نعم فاطمة!... وماذا أقول إذن؟... أليس اسمك فاطمة!"
- " ألم نتفق من قبل... على تغيير اسمي إلى فاتن... فاطمة اسمٌ أثَري... يصلح تماماً كتحفة توضع في الفلكلور"
- " اسمك يا ابنتي... أثَرٌ من آثار والدك المرحوم... لا يليق أبداً أن نغيره"
- " لا علينا الآن... ماذا أعددت لنا من غداء... أكاد آكل عصافير بطني"
- " اذهبي يا ابنتي لتغيير ملابسك... يجب أن ننتظر قليلاً حتى يحضر ناصر"
- " ناصر!... ناصر!... ومالنا وناصر!... لنترك غداءه جانباً ونتغدى نحن"
- " ما هذا الكلام؟... أنت تعرفين ناصر يا ابنتي... ولد معاند... يبحث عن أدنى سبب ليَسُبَّ ويشتم"
- " ومالكِ وله... ليحترق في أكبر تنور... أتخافين منه... وأنت أمه... والله أمهات آخر زمن"
- " آخر زمن؟... أول زمن؟... قلت لك لابد من انتظاره... حتى الساعة الثانية... فإن حضر... وإلا تغدينا"
- " عن إذنك يا أمي... أنا سآخذ غدائي... وأتغدى وحدي... وأنت عليك انتظار ابنك ناصر"
أغمضت العجوز عينيها... وهزت رأسها في تسليم.
فاطمة وناصر أخَوان... ناصر يكبر فاطمة بأربع سنوات... ويدرس الآن في الصف الثالث الثانوي... ووالدهما متوفى منذ عشر سنين... وحين توفي... ترك في ذمة الأم... مسؤولية تربية الأبناء... لم تدَّخر الأم جهداً... لقد بذلت كل ما في وسعها... إلا أنها تغمض عينيها بحزن... كلما شعرت بإخفاقها في تربية ناصر... وتبدأ في لوم نفسها لوماً جارِحاً... وتبكي بكاءً مرّاً.
وضعت فاطمة غداءها في صحن صغير... ثم جلست في إحدى زوايا المطبخ... جِلسة مربعة... وبدأت في الأكل بسرعة... كي تذهب بعد ذلك إلى فراشها... فهي تحرص دائماً على فترة قصيرة من النوم... بعد تناول الغداء... خاصة وأنها تجهد نفسها كثيراً في الدراسة... وهي الآن في السنة الثالثة من المرحلة المتوسطة... وتفكر دائماً في المجموع... ونسبة النجاح... والتفوق... لأن لها طموحات كبيرة كما تقول... وتريد أن ترفع اسم العائلة... بعد أن نكَّسه ناصر.
أنهت فاطمة غداءها... وذهبت لسريرها.

2- "ناصر إلى الداخل"

مر الوقت سريعا... وبعد ساعة... فُتح باب المنزل... وبدأ قلب الأم يرجُف... لقد حضر ناصر... الابن المُسْتَهتر... الذي لا يقرُّ له بال... حتى يُنغِّص العيش على كل من بجواره.
عمَّ الصمتُ جميع أرجاء المنزل... وسُمع صوت إلقائه بالكتب على أحد المقاعد... وبدأ بعدها النداء:
- " حضِّروا الغداء"
انطلقت الأم فزعة... لتُباشر تحضير الغداء.
الغداء الذي أعدته الأم في ذلك اليوم... لا يعدو كونه نصف دجاجة... مع قليل من الأرز... وصحن من الملوخية.
فتحت الأم القِدر بهدوئها المعهود... لكنها فوجئت بما لم يكن في حسابها... وضعت يدها على رأسها... وبدأت تحدث نفسها:
- " يا كافي!... يا كافي!... فاطمة... هذه المجنونة... لقد أخذت فخذ الدجاجة... وتغدت به... وهذا يعني أن ناصراً... سيُلزم بأكل الصدر... مع أنه لا يحبه كما يقول... ما العمل يا ربي... ما العمل إذن... يا ستار "
أحسَّت الأم بمطرقة الخوف... تطرق جدران قلبها... لكنها تناست ذلك... وبدأت بالتحضير.
وضعت الأم الغداء في صحن أبيض صغير... وحملت الصحن... وسارت متجهة لغرفة الجلوس... كان ناصر جالسا في استرخاء... وضعت الأم السفرة بين يديه... ثم وضعت الطعام... صدر الدجاجة مع الأرز... وصحن الملوخية مع الخبز.
نظر ناصر إلى السفرة بهدوء... بدأ يدقق النظر فيما وُضع عليها... تسمَّر بصره قليلاً... وانتفخ أنفه... ثم صوَّب نظره في أمه... وقال:
- " أين الغداء؟"
- " بين يديك... هاهو الغداء... أمامك يا ناصر"
- " أتُسمين هذا غداءً... هذا "......"؟"
- " احمد ربك يا ناصر... لا تسب النعمة... الفقراء لا يجدونها"
- " نعمة... أي نعمة... من أكل فخذ الدجاجة... ثم... هل سيكفي هذا الغداء... لثلاثة أشخاص؟"
ارتبكت الأم قليلاً ثم قالت:
- " أنا صائمة يا ولدي"
- " وفاطمة؟"
- " فاطمة نائمة"
- " نائمة... نعم نعم... الآن عرفت... لقد تغدَّت كما تريد... وبدون أي احترام لأخيها الأكبر... وتركت لي "الفضلة"... ولكن... سأعلمها كيف يكون الاحترام"
وخلال خمس دقائق... كانت فاطمة تبكي في غرفتها من آثار الضرب... وناصر يضحك... ويتناول طعامه بكبرياء.
هذا المشهد مألوفٌ لدى الجميع... تراه الأم والبنت كل يوم تقريباً... لقد أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الباهتة.

3- "أمام السفرة"

جلست الأم أمام ولدها ناصر... وبدأت تنظر إلى اللقم التي يُلقيها في جوفه... صحيح أنها جائعة... وتشعر بحاجة ماسة للطعام... ولكنها زعمت أمامه أنها صائمة... كي تُهدئ ثورته... ليتها صامت... لكان لها مع الجوع أجراً... ولكن يبدو أنها ستنتظر ما سيتركه لها ناصر.
قررت الأم أن تتجاهل ناصراً الآن... وتتركه لتدخل في دوامة حساباتها المالية... التي لا تنقطع أبداً... فهي كلما جلست في خلواتها... تباشر من جديد... توزيع الدخل المتدني... على مصارف الحياة الصعبة... لذا بدأت تحدث نفسها:
-" لإيجار الشقة... ثمانمئة ريال... شهريا... هذه أضعها جانبا... وخمسمئة ريال تقسم على مصاريف الأكل والشرب... والفواتير... ومصاريف الأولاد... لو اشتريت كرتوني دجاج... وكيس أرز صغير... ثم وزعت الرز في ثلاثين كيساً صغيراً... أو... لا... لا... أشتري كيس رز كبير... وأوزعه في تسعين كيسا صغيرا... والسكر هو الذي أشتري منه كيسا صغيرا... وفي المرة القادمة أشتري كيس سكر كبير... وكيس رز صغير... والدجاج نشتري الكرتون الأول مع استلام التقاعد... أما الكرتون الثاني فأشتريه في منتصف الشهر... أوه... ولكن... إيجار الشقة... نعم... سأقتطع من الراتب إيجار الشقة... ثمانمئة ريال... بمجرد استلام التقاعد... وأضعه في الدولاب... كي يرتاح بالي... ومع نهاية كل ستة أشهر... نسلمه لصاحب العمارة... وصلى الله على سيدي رسول الله"
هكذا غرقت العجوز في حساباتها... التي لا تملها مهما طال الزمن.

4- لماذا كل هذا؟!
أسرة أم ناصر... ذات دخل متدنٍ جداً... لا يجاوز ألفاً وثلاثمئة ريال شهرياً... وهو التقاعد الذي ظفرت به الأم وأبناؤها... بعد وفاة الأب.
كان عمل الأب في حياته متواضعاً جداً... فهو يعمل حارساً لإحدى مدارس البنات... وعندما حلّ القدر عليه... توفي بالجلطة... وكان حينها في سن دون الستين... ولعله بموته ارتاح... وترك الأعباء الجسام وراءه... لتتحملها امرأته الأرملة.

5 - الواجب

عينان شاحبتان... تبدوان في غاية الشرود... ولون داكن... يلقي بنفسه على وجه ناصر... يبدو أن شيئاً ما يشغل تفكيره... مع أنه في الغالب... لا يفكر إلا في عمل أشياء سيئة.
بين إصبعيه سيجارة... ونظراته للأعلى...
ضرب بيده على فخذه... ولعن «أبو الدنيا» وقام في غضب... وكان يردد في صمت...
- " صالح... صالح... أقسم على الانتقام... مهما كان الثمن "
الواقع أن صالح يدرس مع ناصر في الفصل نفسه... وهو شاب متفوق... وصاحب خلق عالٍ... والمعلمون يؤكدون دائما... أن بين ناصر وصالح من الفرق في الخلق... كما بين المشرق والمغرب... وكذلك الحال بالنسبة للاجتهاد في الدراسة.
صالح وناصر يدرسان الآن في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية... والدراسة تمثل لهما منعطفا حقيقيا... خاصة وأن الدراسة الجامعية على الأبواب.
ناصر لا يطيق النظر إلى صالح... ولا يطيق سماع صوته... والسبب في ذلك تافه جدا.
قبل أيام... طلب ناصر من صالح... دفتر القواعد... لينقل منه الواجب الذي حدده المعلم... ولكن صالحاً أجاب:
- " من الصعب أن أعطيك الدفتر... هذا معناه الغش والغش حرام كما تعلم"
- " حَرْمَتْ عينك... أعطني الدفتر قبل حضور المعلم"
- " صدقني... سيكشف المعلم أني أعطيتك الدفتر... وهذا يعرضني للعقوبة"
نظر ناصر لصالح نظرة غضب... وسدد لصدره لكمة قوية... ومن جرّاء اللكمة تراجع صالح للوراء قليلاً... لكنه تمالك نفسه... واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم... ثم انطلق مسرعا إلى مدير المدرسة... ليروي له الحكاية كاملة.
أصبح ناصر في حالٍ حرج... ودُعي من قبل مدير المدرسة... وحقق معه المدير... ولكنه أنكر كل شيء... لكن صالحاً أدلى بالدليل القاطع على صدقه... وهو أن ناصر اًلم يحل الواجب.
طلب المدير من ناصر إحضار دفتر القواعد... وبعد أن تأكد من عدم قيامه بحل الواجب... أيقن من كذبه... وعوقب حينها عقاباً قاسيا.
ومن أجل هذا... عزم ناصر على الانتقام من صالح... وسيكون الانتقام في غاية في الدهاء.

6- "نهاية العام"

الأيام لا تتوقف أبداً... لقد مضت بسرعة كعادتها... ومرت بعدها الأسابيع ثم الشهور... وصارت الامتحانات على الأبواب... صالح يزداد اجتهاداً وتفوقاً... وناصر يزداد حقداً وغيظاً.
بدأت الامتحانات... ومرت أيامها سريعة... وخرجت النتائج... وكان صالح ناجحاً بامتياز... أما ناصر فقد كان راسبا!!.
ومع بداية الإجازة... لم يعد ثمّ فصلٌ واحد يجمع الاثنين... لقد افترقوا... وعلى كل منهما نسيان صاحبه.
وبعد أسبوع فقط من صدور الشهادات الثانوية... قدم صالح أوراقه للكلية الأمنية... وقبل فيها... أما ناصر... فربما كان عليه إعادة سنة أخرى.





حروف الحب غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 06:31 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019
Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir


Content Relevant URLs by vBSEO

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34